الخطيب الشربيني

382

مغني المحتاج

إلى لفظ كما قاله في الكفاية تبعا للماوردي ، لأن الفعل مع النية مغنيان هنا عن القول . ووجهه السبكي بأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجدا ، وإنما احتيج للفظ لاخراج ما كان ملكه عنه وصار للبناء حكم المسجد تبعا . قال الأسنوي : وقياس ذلك إجراؤه في غير المسجد أيضا من المدارس والربط وغيرها ، وكلام الرافعي في إحياء الموات يدل له . والظاهر كما قال شيخنا أنه لو قال : أذنت في الاعتكاف فيه صار مسجدا بذلك ، لأن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد بخلاف الصلاة . ثم لفظ الواقف ينقسم إلى صريح وكناية ، وقد شرع في القسم الأول ، فقال : ( وصريحه ) كأن يقول : ( وقفت كذا ) على كذا ، فإن لم يقل : على كذا لم يصح . ( أو ) يقول : ( أرضي موقوفة عليه ) لاشتهاره لغة وعرفا . وإنما قال : موقوفة لينبه على أنه لا فرق بين الفعل والمشتق منه . ( والتسبيل والتحبيس صريحان ) أيضا ، أي المشتق منهما ( على الصحيح ) لتكررهما شرعا واشتهارهما عرفا ، قاله المتولي ، وما نقل عن الصحابة وقف إلا بهما . والثاني : هما كنايتان لأنهما لم يشتهرا اشتهار الوقف . ( ولو قال : تصدقت بكذا صدقة محرمة أو ) صدقة ( موقوفة أو ) صدقة ( لا تباع ولا توهب فصريح في الأصح ) المنصوص في الام ، لأن لفظ التصدق مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف ، وهذا صريح بغيره ، وما قبله صريح بنفسه . والثاني : هو كناية لاحتمال التمليك المحض . تنبيه : قوله : كغيره ولا توهب بالواو محمول على التأكيد ، وإلا فأحد الوصفين كاف كما رجحه الروياني وغيره ، وجزم به ابن الرفعة . واستشكل السبكي حكاية الخلاف في قوله : صدقة موقوفة مع جزمه أولا بصراحة أرضي موقوفة فكيف إذا اجتمع مع غيره يجئ الخلاف فضلا عن قوته . قال : ولولا وثوقي بخط المصنف والمنهاج عندي بخطه لكنت أتوهم أن مكان موقوفة مؤبدة كما ذكره أكثر الأصحاب تبعا للشافعي . قال ابن النقيب : لك الخلاف محكي من خارج لأن في صراحة لفظ الوقف وجها فطرد مع انضمامه لغيره لكنه ضعيف ، أي فلا يناسب أن يعبر بالأصح . وقال غيره : إن موقوفة من طغيان القلم ، ويكون القصد كتابة لفظة مؤبدة كما قاله الشافعي والجمهور ، فسبق القلم إلى كتابة موقوفة . فإن قيل : لفظ التحريم كناية على الصحيح ، والقاعدة أن الكناية إذا انضم إليها من الألفاظ ما يدل على المراد ، كقوله : أنت بائن بينونة محرمة لا تحلين لي أبدا لا تخرج عن كونها كناية ، فهلا كانت هذا كالطلاق أجيب بأن صرائح الطلاق محصورة بخلاف الوقف ، وبأن قوله : بينونة محرمة لا تحلين لي أبدا غير مختص بالطلاق بل يدخل فيه الفسوخ ، والزائد في ألفاظ الوقف يختص بالوقف ، وبأن قوله : تصدقت يقتضي زوال الملك ، وله محملا : محمل الصدقة التي تحتمل الملك ، ومحمل الصدقة التي هي الوقف ، فالزائد يعين المحمل الثاني بخلاف الطلاق . ( وقوله : تصدقت فقط ليس بصريح ) في الوقف ولا يحصل به الوقف ، ( وإن نوى ) الوقف ، لتردد اللفظ بين صدقة الفرض والتطوع ، والصدقة الموقوفة . ( إلا أن يضيف إلى جهة عامة ) كالفقراء ( وينوي ) الوقف فيحصل بذلك . وظاهر هذا أنه يكون صريحا حينئذ . وظاهر كلام الرافعي في كتبه والمصنف في الروضة عدم الصراحة ، وإنما إضافته إلى الجهة العامة صيرته كناية حتى تعمل فيه النية ، وهو كما قال الزركشي الصواب لأن الصريح لا يحتاج إلى نية . أما إذا أضيف إلى معنى واحد أو أكثر فلا يكون وقفا على الصحيح بل ينفذ فيما هو صريح ، وهو محض التمليك كما في الروضة وأصلها . تنبيه : هذا كله كما قال الزركشي بالنسبة إلى الظاهر ، أما في الباطن فيصير وقفا فيما بينه وبين الله تعالى كما صرح به جمع : منهم ابن الصباغ وسليم والمتولي وغيرهم . ( والأصح أن قوله حرمته ) للفقراء مثلا ، ( أو أبدته ) عليهم ، ( ليس بصريح ) بل هو كناية ، لأنهما لا يستعملان مستقلين ، وإنما يؤكد بهما الألفاظ السابقة . والثاني : هو صريح ، لإفادة الغرض كالتسبيل ، ويجري الخلاف أيضا فيما لو قال : حرمته وأبدته . تنبيه : أفهم كلام المصنف أنه لا يشترط في الوقف أن يقول أخرجته عن ملكي ، وهو كذلك ، وإن حكى الإمام فيه